أبو الليث السمرقندي
31
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي يذهب اللّه بنور الإيمان الذي يتكلم به ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ الهدى ، فكذلك المنافق إذا بلغ آخر عمره بقي في ظلمة كفره . وهكذا فسّره قتادة والقتبي وغيرهما . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 18 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) ثم قال تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - « صمّا بكما عميا » ، وإنما جعلها نصبا لوقوع الفعل عليها ، يعني وتركهم صما بكما عميا . وقرأ غيره : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ومعناه هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ . وتفسير الآية أنهم يتصاممون ، حيث لم يسمعوا الحق ولم يتكلموا به ، ولم يبصروا العبرة والهدى ، فكأنهم صم بكم عمي ، ولأن اللّه تعالى خلق السمع والبصر واللسان لينتفعوا بهذه الأشياء ، فإذا لم ينتفعوا بالسمع والبصر صار كأن السمع والبصر لم يكن لهم . كما أن اللّه تعالى سمى الكفرة موتى حيث قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] يعني كافرا فهديناه ؛ وإنما سماهم موتى - واللّه أعلم - لأنه لا منفعة لهم في حياتهم ، فكأن تلك الحياة لم تكن لهم ، فكذلك السمع والبصر واللسان ، إذا لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن لهم ، فكأنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون ، يعني لا يرجعون إلى الهدى . وقال القتبي : معنى قوله تعالى : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ قال : الظلمة الأولى كانت ظلمة الكفر ، استيقادهم النار قول : لا إله إلا اللّه ، وإذا خلوا إلى شياطينهم فنافقوا . وقالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] فسلبهم نور الإيمان ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ، يعني كمطر نزل من السماء فضرب لهم اللّه تعالى مثلا آخر ، لأن العرب كانوا يوضحون الكلام بذكر الأمثال ، فاللّه ضرب لهم الأمثال ليوضح عليهم الحجة ، فضرب لهم مثلا بالمستوقد النار ، ثم ضرب لهم مثلا آخر بالمطر . فإن قيل كلمة أو إنما تستعمل للشك فما معنى أَوْ ها هنا ، فقيل له : أو قد تكون للتخيير ، فكأنه قال : إن شئتم فاضربوا لهم مثلا بالمستوقد النار ، وإن شئتم فاضربوا لهم المثل بالمطر ، فأنتم مصيبون في ضرب المثل في الوجهين جميعا . وهذا كما قال في آية أخرى : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [ النور : 40 ] فكذلك هاهنا أو للتخيير لا للشك . وقد قيل : أو بمعنى الواو يعني ،